سلسلة تأملات في تجارب عالمية ناجحة في تغيير المجتمعات و نهضة الأمة
من تحت الركام إلى قمة العالم
التجربة اليابانية في النهضة الشاملة: كيف تُصنع الأمم من جديد؟"3"
بقلم /الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة: حين تُهزم الأجساد، ولا تُهزم القيم
ليست النهضة حدثًا عابرًا، ولا طفرة اقتصادية مفاجئة، بل هي مشروع وعي، وإرادة أمة، وانضباط حضاري طويل النفس.
واليابان ليست استثناءً خارقًا في التاريخ، بل درسًا إنسانيًا عميقًا: دولة هُزمت عسكريًا، ودُمّرت مدنها نوويًا، وفُقدت مواردها الطبيعية، لكنها أعادت بناء نفسها لتصبح خلال عقود قليلة واحدة من أعظم القوى الاقتصادية والعلمية في العالم.
فكيف نهضت اليابان؟.
وما الذي يجعل تجربتها قابلة للاقتباس، لا للاستنساخ؟
وما الدروس التي تحتاجها أمتنا العربية، والإسلامية اليوم؟.
أولًا: السياق التاريخي من الانكسار إلى القرار:
خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية (1945) وهي:
مدمَّرة البنية التحتية
منهكة اقتصاديًا
مكسورة نفسيًا
محتلة سياسيًا
لكن الفارق الجوهري أن اليابانيين حوّلوا الهزيمة إلى سؤال حضاري:
لماذا تخلفنا؟ وكيف ننهض دون أن نفقد هويتنا؟
وهنا بدأ التحول.
ثانيًا: الإنسان أولًا فلسفة النهضة اليابانية:
1) التعليم باعتباره قضية وجود:
أدركت اليابان أن النهضة لا تبدأ بالمصانع بل بالعقول:
تعليم إلزامي عالي الجودة
التركيز على القيم قبل المعلومات
احترام المعلم اجتماعيًا وماديًا
ربط التعليم بالواقع العملي لا بالحفظ المجرد
الدرس لنا:
لا نهضة بأمّة تُهين معلمها، أو تفصل التعليم عن احتياجات المجتمع.
2)العمل قيمة أخلاقية لا مجرد وظيفة
في الثقافة اليابانية:
الإتقان عبادة
الوقت أمانة
العمل شرف جماعي
فالعامل، والموظف، والمدير، كلهم شركاء في النجاح أو الفشل.
الدرس لنا:
أزمتنا ليست نقص الموارد، بل أزمة أخلاق العمل.
ثالثًا: الدولة الراشدة الحوكمة لا الشعارات:
1)تخطيط استراتيجي طويل المدى
خطط خمسينية وعشرينية
استمرارية السياسات لا تغيّرها بتغيّر الحكومات
مؤسسات أقوى من الأفراد
2) محاربة الفساد بلا هوادة
شفافية
محاسبة صارمة
ثقافة عار اجتماعي من الفساد
الدرس لنا:
لا يمكن بناء نهضة فوق أرضية فساد، مهما كثرت الخطب والشعارات.
رابعًا: الاقتصاد المنتج لا الريعي
اليابان:
لا تملك نفطًا
لا تملك ثروات طبيعية ضخمة
لكنها:
استثمرت في العقل الصناعي
طورت التكنولوجيا
دعمت الصناعات الوطنية
ربطت البحث العلمي بالإنتاج
الدرس لنا:
الثروات وحدها لا تصنع نهضة، بل قد تؤخرها إن غاب الوعي.
خامسًا: الهوية التحديث دون ذوبان:
من أعظم إنجازات اليابان أنها:
حدّثت أدواتها
ولم تفرّط في ثقافتها
ولم تنسَ لغتها
ولم تستنسخ الغرب بلا وعي
الدرس لنا:
لسنا مطالبين بأن نكون نسخة من غيرنا، بل نسخة متطورة من أنفسنا.
سادسًا: المجتمع شريك في النهضة
الأسرة منضبطة
الإعلام داعم للقيم.
المدرسة تُربي قبل أن تُعلّم
الفرد يشعر أنه مسؤول عن صورة وطنه
الدرس لنا:
النهضة لا تصنعها الحكومات وحدها، بل المجتمعات الحية.
سابعًا: لماذا تصلح التجربة اليابانية نموذجًا لأمتنا؟:
لأن بيننا وبين اليابان:
تشابه في قيمة الجماعة
احترام كبير للأسرة
تقدير للرموز
قابلية للتضحية من أجل الوطن
لكن الفارق أننا نملك رصيدًا حضاريًا وروحيًا أعظم لو أُحسن توظيفه.
ثامنًا: خارطة طريق مستلهمة لأمتنا
إصلاح جذري للتعليم:
إعادة بناء منظومة القيم
ربط الدين بالعمل والإنتاج لا بالكسل والتواكل
دولة قانون ومؤسسات
إعلام نهضوي لا ترفيهي فارغ
مشروع وطني جامع فوق الخلافات
خاتمة: النهضة قرار لا معجزة:
لم تنهض اليابان لأنها أذكى الأمم،
بل لأنها قررت أن تنهض،
ودفعت ثمن القرار صبرًا، وانضباطًا، وتضحية.
وأمتنا العربية والإسلامية:
ليست عاجزة،
بل مُعطَّلة الإرادة.
وحين تستعيد وعيها،
سيكون المستقبل لها.
كما كان لليابان.
المراجع والمصادر العربية :
١)مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، دمشق.
٢)عبد الكريم بكار، التنمية المتوازنة، دار السلام، القاهرة.
٣)محمد عمارة، النهضة العربية بين الأصالة والمعاصرة، دار الشروق.
المراجع أجنبية:
4) Ezra F. Vogel, Japan as Number One, Harvard University Press.
5) Chalmers Johnson, MITI and the Japanese Miracle, Stanford University Press.
6) World Bank, The East Asian Miracle.

0 تعليقات