الاغترار بالرأي و تقديس الفقيه
من أخطر ما ابتُلي به الوعي الديني عبر تاريخه الطويل أن تتحول الآراء البشرية إلى ما يشبه المقدسات، وأن يُخلع على بعض الناس مقامٌ لا يدّعمه وحي ولا يمنحهم إيّاه نص.
ومن أكثر العبارات التي عبّرت عن هذا الانزلاق قول المفتي:
"انه يوقّع عن الله"
وهي عبارة لم ترد في القرآن، ولا قالها النبي، ولا عُرفت بهذا المعنى في الصدر الأول، بل اشتهرت تاريخيًا مع ابن القيم الجوزية (ت 751هـ) في كتابه:
"إعلام الموقعين عن رب العالمين"
وهو تلميذ مباشر لابن تيمية، ومتأثر بمنهجه في تضخيم سلطة الفقيه والمجتهد.
قد يكون القصد البلاغي عند ابن القيم هو تعظيم مسؤولية المفتي، لكن الأثر الواقعي للعبارة كان كارثيًا:
إذ انتقلت من كونها تشبيهًا أدبيًا إلى عقيدة نفسية مستقرة في الوعي الجمعي، مفادها أن المفتي يتحدث باسم الله، وأن معارضته معارضة للحق الإلهي.
وهنا مكمن الخطورة.
لأن التوقيع عن جهة ما يعني تمثيل إرادتها رسميًا، فهل يملك أي إنسان - مهما بلغ علمه - أن يزعم أن رأيه هو إرادة الله؟
القرآن نفسه يقطع الطريق على هذا الادعاء:
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾
المفتي لا يملك إلا:
فهمًا بشريًا للنص واجتهادًا محدودًا بثقافته وزمانه ومذهبه وتوجهه، رأيًا يحتمل الصواب والخطأ
أما أن يُرفع هذا الرأي إلى مرتبة "توقيع عن الله"، فذلك هو الاغترار بعينه، وهو جوهر تقديس البشر.
ومن هنا نشأت:
هيبة مصطنعة حول الشيوخ خوف من مناقشتهم..
تجريم للسؤال
تعطيل للعقل باسم الأدب مع العلماء تعظيم لمقولة لحوم العلماء مسمومة. فتحول الدين من خطاب موجّه للعقل:
﴿أفلا تعقلون﴾
إلى منظومة وصاية: اسكت… المفتي أعلم منك.
والحقيقة البسيطة التي يجب استعادتها:
المفتي يوقّع عن فهمه، لا عن الله.
يجتهد، فيُناقش.
يصيب، فيُؤخذ منه.
يخطئ، فيُرد عليه.
أما تقديس الرأي، وتحصين الأشخاص من النقد، ومنحهم مقام "التمثيل عن الله"، فليس من الدين… بل هو أحد أهم أسباب انهيار العقل في تاريخنا.
والأكثر صدامية أن كلمة الإفتاء في حد ذاتها تتجاوز قدر البشر الذي لا يملك إلا رأيًا بغير الزام ولك أن تتدبر قوله تعالى لنبيه الكريم في قضية الافتاء في أمر النساء والتي تشكل اغلب ردود دور الافتاء المزعومة :﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.. } فالله هو من يفتي..
ولتكن تلك العبارة الصادمة مطلبًا لمن يملك السلطة والأمر بتغيير اسم دار الإفتاء الى دار الرأي... {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
صدق الله العظيم

0 تعليقات