قبل أن ينام البحر
دكتور احمد ابراهيم حنفي
تتحدرج الشَّمسُ ونحو غُروبِهَا الكَحِيل، يَهدَأُ نَحِيبُ المَوجِ المَشتُوتِ علَى رِمَالِ الشَّاطِئِ المَمْدُود، وتَبدَأُ لَحظَةٌ أُثرِيَّةٌ مِن زَمَنِ المَلَكُوت؛ تِلكَ اللَّحظَةُ التِي يَسْتَعِدُّ فِيهَا البَحرُ لِكَي يَنام.
ليسَ البَحرُ جَسَدًا مِن مَاءٍ وحَسْب، بل هُوَ مَخبَأُ الأَسرَارِ المَفتُوحُ علَى اتِّسَاعِ المَدَى، وهُوَ الرَّاوِي الَّذِي لا يَكُفُّ عَن مَسرَحَةِ الفُصُول. غَيرَ أنَّهُ في خَاتِمَةِ النَّهَار، حِينَ تُشرِقُ الحُمرَةُ الأَخِيرَةُ علَى أَدِيمِ المَاءِ، يَبْدُو كَشَيخٍ صُوفِيٍّ جَلِيلٍ يُلمْلِمُ أَطْرَافَ رِدَائِهِ الأزْرَق لِيَسْتَكِين. تَتَرَاجَعُ النَّوَارِسُ نَحوَ أَعشَاشِهَا الدَّافِئَة، وتَكُفُّ عَن صَرَخَاتِهَا التِي كَانَت تُحَاضِرُ بِهَا الأُفُق، وَيَسُودُ صَمتٌ بَلِيغٌ لا يَقْطَعُهُ إِلا زَفِيرٌ هَادِئٌ يَصْدُرُ مِن أَعْمَاقِ هَذَا العِمْلاقِ المُسْتَسْلِمِ لِلسَّكِينَة.
إنَّ الخُمُولَ الَّذِي يَسبِقُ نَومَ البَحرِ ليسَ مَوتًا ولا غِيَابًا، بل هُوَ حَالَةٌ مِنَ التَّأَمُّلِ العَمِيق. تَصِيرُ القَطَرَاتُ المَالِحَةُ مَنَاشِيرَ صَغِيرَةً تَعْكِسُ آخِرَ ضَوءٍ قَبْلَ أَن يَلتَهِمَهُ الظَّلام، وتَبْدُو المَوْجَاتُ المُتَتَابِعَةُ كَأَنَّهَا حُرُوفٌ فِي قَصِيدَةٍ لَم تُكْتَب بَعد، تَسْعَى نَحوَ الضِّفَافِ لِتُلْقِيَ تَحِيَّةَ الوَدَاعِ الأَخِيرَةِ علَى الصَّخْرِ الصَّامِد. هُنا، علَى حَافَةِ المَاءِ، يَشْعُرُ المَرْءُ بِضَآلَتِهِ أَمَامَ هَذَا المَشْهَدِ الجَلَل؛ كَيْفَ لِكائِنٍ يَمْلِكُ كُلَّ هَذِهِ القُوَّةِ والغَضَبِ أَن يَصِيرَ وَدِيعًا كَطِفْلٍ يَهْدَأُ علَى صَدْرِ أُمِّهِ؟
وفِي هَذِهِ اللَّحظَاتِ المَفْصَلِيَّةِ بَيْنَ النَّهَارِ واللَّيل، يَنْبَثِقُ فِي النَّفْسِ سُؤالٌ أَبَدِيّ: مَاذَا يَحْلُمُ البَحرُ حِينَ يَنَام؟ هَل يَحْلُمُ بِالسُّفُنِ التِي مَرَّتْ علَى ظَهْرِهِ ورَحَلَت لَمْ تَعُد؟ أَمْ بِالغَرْمَى الَّذِينَ احْتَضَنَهُم فِي أَعْمَاقِهِ المَظْلِمَةِ وصَارُوا جُزْءًا مِن سِرِّهِ؟ أمْ أَنَّهُ يَحْلُمُ بِتِلْكَ الأَيَّامِ الأُولَى مِنَ الخَلْقِ، حِينَ كَانَ هُوَ المَلِكَ الوَحِيدَ علَى هَذَا الكَوْكَب؟
تَتَسَارَعُ العَتَمَةُ لِتَفْرِشَ رِدَاءَهَا الأَسْوَدَ المُرَصَّعَ بِالأَنْجُم، فيَسْتَوِي البَحرُ علَى سَرِيرِهِ الأَزَلِيّ. لَمْ يَعُد أَبْيَضَ الرَّغْوَة، ولَمْ يَعُد أَقْنُومًا لِلْغَضَب؛ لَقَد دَخَلَ فِي المَنَام، وتَرَكَ لَنَا صَوْتَ أَنَفَاسِهِ الرَّتِيبَةِ كَأُغْنِيَةِ كَرَى تَهْدُي الأَرْوَاحَ الحَائِرَة. في تِلْكَ اللَّحْظَةِ المُمَيَّزَة، قَبْلَ أَن يَغْرَقَ فِي المَنَامِ الكَامِل، يَسْتَطِيعُ مَنْ يُصْغِي بِقَلْبِهِ أَنْ يَسْمَعَ حَقِيقَةَ العَالَم: أَنَّ كُلَّ صَخَبٍ لَا بُدَّ أَنْ يَهْدَأ، وأَنَّ كُلَّ صَارِخٍ سَيَسْكُنُ يَوْمًا، وأَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي الطُّغْيَانِ البَاطِل، بَلْ فِي القُدْرَةِ علَى أَنْ تَسْتَريحَ حِينَ يَسْتَوجِبُ المَسَاء.



0 تعليقات