د منى بغدادى تكتب حين تتحدث الصورة

 

حين تتحدث الصورة

أنا صورة معلّقة على الحائط منذ سنوات




رأيتُ أهل البيت يكبرون أمامي ، وأشخاصاً يدخلون و يخرجون ، وضحكاتٍ ملأت المكان ، وخلافاتٍ مرت كأنها لم تكن ، وغياباً بدأ صغيراً ثم أصبح دائماً ، ورحيلاً ترك وراءه مقعداً فارغاً وذكريات لا تعرف كيف ترحل .


كنتُ أرى كل شيء … ولا أتكلم .


رأيتُ الأطفال الذين التقطوا صورتي وهم لا يعرفون أن السنوات ستأخذ منهم طفولتهم سريعاً .





رأيتُ شاباً كان يضحك بلا حساب ، ثم عاد بعد سنوات بوجهٍ يعرف جيداً معنى التعب .


ورأيتُ امرأةً كانت تملأ البيت حياة ، ثم صارت تمر أمامي أحياناً ولا تلاحظ أن عينيها لم تعودا تشبهان عينيها في الصورة .


حتى الوجوه التي كانت تجتمع حولي كل يوم … تفرقت .


بعضهم ابتعد ، بعضهم تغير ، وبعضهم رحل إلى المكان الذي لا تعود منه الصور .


وكنتُ في كل مرة أراقبهم وأتعجب …


كيف يمكن للإنسان أن يتغير كل هذا التغير ، ثم يقف أمام صورة قديمة ويتساءل : «هو إحنا كنا كده فعلاً ؟»


نعم … كنتم هكذا .


كنتم تضحكون أكثر . تحبون ببساطة أكثر . تسامحون أسرع . وتحلمون دون أن تسألوا أنفسكم إن كان الحلم مناسباً للواقع .


كنتُ أظن أن مهمتي أن أحفظ وجوهكم فقط .


لكنني اكتشفت مع الوقت أنني كنت أحفظ شيئاً أكبر بكثير …


كنتُ أحفظ اللحظات التي لم تعرفوا قيمتها إلا بعد أن انتهت .


أحفظ ضحكة شخصٍ لم يعد موجوداً . وحضناً لم يتكرر . وبيتاً كان ممتلئاً بأصواتٍ أصبحت ذكرى . وأحفظكم أنتم … قبل أن تعلمكم الحياة كيف تخفون ما تشعرون به .


والآن … كلما وقف أحدكم أمامي ، لا يرى صورته القديمة فقط …


يرى شخصاً كانه ذات يوم .


شخصاً ربما ما زال يعيش في داخله ، لكنه ضاع وسط المسؤوليات ، والخوف ، والخذلان ، ومحاولات إرضاء الجميع .


لهذا لم أعد أحزن حين تمرون أمامي دون أن تنظروا إليّ .


أنا أعرف أنكم تنظرون إلى الأمام .


لكنني أتمنى فقط أن تتوقفوا أحياناً …


ليس من أجلي .


بل من أجل أنفسكم .


لأنني ، طوال هذه السنوات ، لم أكن أحتفظ بذكرياتكم فقط …


أنا صورة معلقة على الحائط … لم أكن أحتفظ بملامحكم فقط ، كنت أحتفظ بالنسخ منكم التي فقدتموها وأنتم تكبرون .






إرسال تعليق

0 تعليقات