حين تتحدث الصورة
أنا صورة معلّقة على الحائط منذ سنوات
رأيتُ أهل البيت يكبرون أمامي ، وأشخاصاً يدخلون و يخرجون ، وضحكاتٍ ملأت المكان ، وخلافاتٍ مرت كأنها لم تكن ، وغياباً بدأ صغيراً ثم أصبح دائماً ، ورحيلاً ترك وراءه مقعداً فارغاً وذكريات لا تعرف كيف ترحل .
كنتُ أرى كل شيء … ولا أتكلم .
رأيتُ الأطفال الذين التقطوا صورتي وهم لا يعرفون أن السنوات ستأخذ منهم طفولتهم سريعاً .
رأيتُ شاباً كان يضحك بلا حساب ، ثم عاد بعد سنوات بوجهٍ يعرف جيداً معنى التعب .
ورأيتُ امرأةً كانت تملأ البيت حياة ، ثم صارت تمر أمامي أحياناً ولا تلاحظ أن عينيها لم تعودا تشبهان عينيها في الصورة .
حتى الوجوه التي كانت تجتمع حولي كل يوم … تفرقت .
بعضهم ابتعد ، بعضهم تغير ، وبعضهم رحل إلى المكان الذي لا تعود منه الصور .
وكنتُ في كل مرة أراقبهم وأتعجب …
كيف يمكن للإنسان أن يتغير كل هذا التغير ، ثم يقف أمام صورة قديمة ويتساءل : «هو إحنا كنا كده فعلاً ؟»
نعم … كنتم هكذا .
كنتم تضحكون أكثر . تحبون ببساطة أكثر . تسامحون أسرع . وتحلمون دون أن تسألوا أنفسكم إن كان الحلم مناسباً للواقع .
كنتُ أظن أن مهمتي أن أحفظ وجوهكم فقط .
لكنني اكتشفت مع الوقت أنني كنت أحفظ شيئاً أكبر بكثير …
كنتُ أحفظ اللحظات التي لم تعرفوا قيمتها إلا بعد أن انتهت .
أحفظ ضحكة شخصٍ لم يعد موجوداً . وحضناً لم يتكرر . وبيتاً كان ممتلئاً بأصواتٍ أصبحت ذكرى . وأحفظكم أنتم … قبل أن تعلمكم الحياة كيف تخفون ما تشعرون به .
والآن … كلما وقف أحدكم أمامي ، لا يرى صورته القديمة فقط …
يرى شخصاً كانه ذات يوم .
شخصاً ربما ما زال يعيش في داخله ، لكنه ضاع وسط المسؤوليات ، والخوف ، والخذلان ، ومحاولات إرضاء الجميع .
لهذا لم أعد أحزن حين تمرون أمامي دون أن تنظروا إليّ .
أنا أعرف أنكم تنظرون إلى الأمام .
لكنني أتمنى فقط أن تتوقفوا أحياناً …
ليس من أجلي .
بل من أجل أنفسكم .
لأنني ، طوال هذه السنوات ، لم أكن أحتفظ بذكرياتكم فقط …
أنا صورة معلقة على الحائط … لم أكن أحتفظ بملامحكم فقط ، كنت أحتفظ بالنسخ منكم التي فقدتموها وأنتم تكبرون .





0 تعليقات